Wikipedia

نتائج البحث

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابن القيم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابن القيم. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 28 سبتمبر 2010

# يسألونك عن الروح #



حقيقه الروح
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ‏فى (مجموع الفتاوى 17/341‏)‏‏:‏ ‏"‏ومذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة‏:‏ أن الروح عين قائمة بنفسها، تفارق البدن، وتنعم، وتعذب، ليست هي البدن، ولا جزء من أجزائه، ولما كان الإمام أحمد رحمه الله ممن نص على ذلك كما نص عليه غيره من الأئمة؛ لم يختلف أصحابه في ذلك‏"‏‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ أين مسكنها من الجسد‏؟‏ فلا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد؛ فإن الحياة مشروطة بالروح؛ فإذا كانت الروح في الجسد؛ كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح؛ فارقته الحياة‏"‏‏.‏

الروح مخلوقة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ‏‏‏:
‏"‏روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين‏"‏‏.‏
وقال تلميذه العلامة ابن القيم(‏فى الروح 146):‏ ‏"‏والذي يدل على خلقها وجوه‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏، وذكر اثني عشر وجها نذكر بعض منها‏:‏
1-‏ قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ‏}الرعد 16
؛ فهذا اللفظ عام، لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفاته؛ فإنها داخلة في مسمى اسمه؛ فالله سبحانه هو الإله الموصوف بصفات الكمال، وهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق وما سواه مخلوق‏.‏

2- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا‏}مريم 9
وهذا الخطاب لروحه وبدنه، وليس لبدنه فقط؛ فإن البدن وحده لا يفهم ولا يخاطب ولا يعقل، وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح‏.‏

3-‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ‏}الأعراف 11
وهذا الإخبار إما أن يتناول أرواحنا وأجسادنا كما يقوله الجمهور، وإما أن يكون واقعا على الأرواح قبل خلق الأجساد كما يقوله من يزعم ذلك، وعلى التقديرين؛ فهو صريح في خلق الأرواح‏.‏

4- النصوص الدالة على أن الإنسان عبد بجملته، وليست عبوديته واقعة على بدنه دون روحه، بل عبودية الروح أصل، وعبودية البدن تبع؛ كما أنه تبع لها في الأحكام، وهي التي تحركه وتستعمله، وهو تبع لها في العبودية‏.‏
5- قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا‏}الإنسان 1
؛ فلو كانت روحه قديمة؛ لكان الإنسان لم يزل شيئا مذكورا؛ فإنه إنما هو إنسان بروحه لا بدنه‏.‏

6-‏ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي في ‏"‏صحيح البخاري برقم 3336و اخرجه مسلم 2638‏"‏وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف‏)‏ ، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة‏.‏
7- أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث المربوب‏.‏ 
كيفية قبض روح المتوفى وما لها بعد وفاته:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه؛ قال‏:
‏(‏كنا في جنازة في بقيع الغرقد،
فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم،
فقعد
وقعدنا حوله كأن على رءوسنا الطير وهو يلحد له
، فقال أعوذ بالله من عذاب القبر؛ ثلاث مرات
ثم قال
إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا؛ نزلت إليه الملائكة،
كأن على وجوههم الشمس،
معهم كفن من أكفان الجنة،
وحنوط من حنوط الجنة،
فجلسوا منه مد البصر،
ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه،
فيقول يا أيتها النفس الطيبة‏!‏
اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان
قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيَ السقاء،
فيأخذها؛
فإذا أخذها؛
لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها
فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط
ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض
قال فيصعدون بها،
فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة‏؟‏
فيقولون فلان ابن فلان؛ بأطيب أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا،
حتى ينتهوا بها إلى السماء،
فيستفتحون له،
فيفتح له،
فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها،
حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله،
فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين،
وأعيدوه إلى الأرض؛
فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى
قال فتعاد روحه في جسده،
فيأتيه ملكان،
فيجلسانه،
فيقولان له من ربك‏؟‏
فيقول ربي الله
فيقولان له ما دينك‏؟‏
فيقول ديني الإسلام
فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟‏
فيقول هو رسول الله
فيقولان له ما علمك‏؟‏
فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت
فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي؛
فأفرشوه من الجنة،
وافتحوا له بابا إلى الجنة
قال فيأتيه من روحها وطيبها،
ويفسخ له في قبره مدَّ بصره
قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح،
فيقول أبشر بالذي يسرك،
هذا يومك الذي كنت توعد
فيقول له من أنت‏؟‏ فوجهك الذي يجيء بالخير
فيقول أنا عملك الصالح
فيقول يا رب‏!‏ أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي
قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛
نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه،
معهم المسوح،
فيجلسون منه مد البصر،
ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه،
فيقول أيتها النفس الخبيثة‏!‏
اخرجي إلى سخط من الله وغضب
قال فتفرَّق روحه في جسده،
فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول،
فيأخذها،
فإذا أخذها؛
لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح،
ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض،
فيصعدون بها،
فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة؛ إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث‏؟‏
فيقولون فلان ابن فلان؛ بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا،
حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا،
فيستفتح له،
فلا يفتح له
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم{‏لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط‏} الأعراف 40
‏ فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى،
فتطرح روحه طرحا
ثم قرأ ‏{‏ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق‏}الحج 31
فتعاد روحه في جسده،
ويأتيه ملكان،
فيجلسانه،
فيقولان له من ربك‏؟‏
فيقول هاه هاه لا أدري
فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم‏؟
‏ فيقول هاه هاه لا أدري
فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي،
فأفرشوه من النار،
وافتحوا له بابا إلى النار،
فيأتيه من حرها وسمومها،
ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه
ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح،
فيقول أبشر بالذي يسوؤك،
هذا يومك الذي كنت توعد
فيقول من أنت‏؟‏ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر‏!‏
فيقول أنا عملك الخبيث
فيقول رب لا تقم الساعة‏)‏ ‏.‏
رواه الإمام أحمد وأبو داوود والحاكم  وأبو عوانة وابن حبان  

هل الروح والنفس شيء واحد أو شيئان متغايران‏؟‏
اختلف الناس في ذلك‏:‏ فمن قائل‏:‏ إنهما شيء واحد، وهم الجمهور‏.‏ ومن قائل‏:‏ إنهما متغايران‏.‏
والتحقيق أن لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان، فيتحد مدلولها تارة ويختلف تارة
فالنفس تطلق على أمور‏:‏
منها‏:‏ الروح
يقال‏:‏ خرجت نفسه؛ أي‏:‏ روحه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ‏}‏ ‏.‏ الأنعام 93
ومنها‏:‏ الذات
يقال‏:‏ رأيت زيدا نفسه وعينه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ‏}‏ ‏.‏ النور 61
ومنها‏:‏ الدم
يقال‏:‏ سالت نفسه، ومنه قول الفقهاء‏:‏ ما له نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة، ومنه يقال‏:‏ نفست المرأة إذا حاضت ونفست إذا نفسها ولدها، ومنه النفساء‏.‏
قال شيخ الإسلام ابن تيمية‏ فى مجموع الفتاوى 9/294:‏
‏"‏ويقال‏:‏ النفوس ثلاثة أنواع، وهي‏:‏
النفس الأمارة بالسوء‏:‏ التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي‏.‏
والنفس اللوامة‏:‏
وهي التي تذنب وتتوب؛ ففيها خير وشر، ولكن إذا فعلت الشر؛ تابت وأنابت، فتسمى لوامة؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولا تتلوم؛ أي‏:‏ تتردد بين الخير والشر‏.‏
والنفس المطمئنة‏:
‏ وهي التي تحب الخير والحسنات، وتبغض الشر والسيئات، وقد صار ذلك لها خلقا وعادة‏.‏
فهذه صفات وأحوال لذات واحدة؛ لأن النفس التي لكل إنسان هي نفس واحدة‏.‏
والروح أيضا تطلق على معان‏:‏
منها‏:‏ القرآن الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله.
قال تعالى‏:‏
{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا‏}‏ ‏.‏ الشورى 52
وعلى جبريل.
قال تعالى‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ‏}‏ ‏.‏ الشعراء 193
وعلى الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسله.
قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ‏}غافر 15
سمي روحا لما يحصل به من الحياة النافعة؛ فإن الحياة بدونه لا تنفع صاحبها البتة، وسميت الروح روحا لأن بها حياة البدن‏.‏
وتطلق الروح أيضا على الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه‏.‏
وتطلق الروح على ما سبق بيانه، وهو ما يحصل بفراقه الموت، وهي بهذا الاعتبار ترادف النفس ويتحد مدلولهما، ويفترقان في أن النفس تطلق على البدن وعلى الدم، والروح لا تطلق عليهما‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏

تعلقات الروح بالبدن
للروح بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام‏:‏ 
1-‏ تعلقها به في بطن الأم جنينا‏.‏ 
2- تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض‏.‏ 
3-‏ تعلقها به حال النوم
فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه‏.‏ 
4-‏ تعلقها به في البرزخ
فإنها وإن فارقته وتجردت عنه؛ فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى إليه التفات البتة؛ فقد دلت الأحاديث على ردها إليه عند سؤال الملكين وعند سلام المسلم، وهذا الرد إعادة خاصة لا توجب حياة البدن قبل يوم القيامة‏.‏ 
5- تعلقها به يوم يبعث الأجساد
وهو أكمل تعلقاتها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه ؛ إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا‏.‏


الاثنين، 20 سبتمبر 2010

# صحيح الإعتقاد فى الإسراء و المعراج #


من أعظم خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ‏ الإسراء والمعراج


قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏.‏ الإسراء 1
والمعراج‏:‏ مفعال من العروج؛ أي‏:‏ الآلة التي يعرج فيها؛ أي‏:‏ يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو إلا الله، وحكمه كحكم غيره من المغيبات؛ نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته‏.‏ 
والذي عليه أئمة النقل‏:‏ أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة بسنة، وقيل بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر‏.‏ 
صفة الإسراء والمعراج المستفادة من النصوص 
قال الحافظ ابن كثير في ‏"‏تفسيره‏"‏‏:‏ ‏"‏والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناما، من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد؛ ربط الدابة عند الباب، ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج، وهو كالسلم ذو درج يرقى فيه، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما- صلى الله وسلم عليه وعليهما وعلى سائر الأنبياء- حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام؛ أي‏:‏ أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته، وله ست مائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه أمهم ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم؛ جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به؛ اجتمع فيه- أي‏:‏ بيت المقدس- هو وإخوانه من النبيين، ثم ظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ 



هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط‏؟‏ 
‏ 
قال الأكثرون من العلماء أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ‏}‏ الإسراء 1؛ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام؛ فلو كان مناما؛ لم يكن فيه شيء كبير، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا؛ فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والبدن، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا‏}‏ ، وأيضا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ ؛ قال ابن عباس‏:‏ ‏"‏هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به‏"‏‏.‏ رواه البخاري‏.‏ 
وقال آخرون‏:‏ بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده، نقل هذا القول ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما، ونقل عن الحسن البصري نحوه (تفسير ابن كثير3/24)، 
وليس المراد بهذا القول أن الإسراء كان مناما، بل إن الروح ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد، ثم عادت إليه‏.‏‏.‏‏.‏ وهذا من خصائصه؛ فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت‏.‏ 
والمراد بالمنام أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، والفرق بين الأمرين واضح‏.‏ 

واستدل من قال‏:‏ إن الإسراء كان بروحه لا بجسده؛ بما جاء في رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس‏:‏ ‏"‏ثم استيقظت؛ فإذا أنا في الحجر‏"‏‏.‏( صحيح البخارى 7517 و مسلم 162/262)
وقد أجيب عنه بجوابين‏:‏ 
أحدهما‏:‏ أن هذا معدود من غلطات شريك؛ فقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء‏.‏ 
الثاني‏:‏ أن الاستيقاظ محمول على الانتقال من حال إلى حال‏.‏ 
قال ابن كثير‏:‏ ‏"‏وهذا الحمل أحسن من التغليط‏.‏ والله أعلم‏"‏‏.‏ 
إلى أن قال‏:‏ ‏"‏ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء طبق ما وقع بعد ذلك؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏والله أعلم‏.‏ 

هل تكرر المعراج‏؟‏
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الواردة في هذا الموضوع‏:‏ ‏"‏وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها؛ فحصل مضمون ما اتفقت عليه من إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه؛ فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام‏.‏ 
ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة؛ فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل على مطلب‏.‏ 
وقد صرح بعض المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد؛ لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار‏.‏ 
وزعم بعض الصوفية أن المعراج وقع له صلى الله عليه وسلم ثلاثين مرة‏!‏ وقال بعضهم‏:‏ أربعا وثلاثين مرة‏!‏‏!‏ واحدة منها بجسمه الشريف والباقي بروحه‏!‏‏!‏ وقيل‏:‏ كان الإسراء مرتين؛ مرة يقظة، ومرة مناما‏!‏‏!‏ وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله ‏"‏ثم استيقظت‏"‏وبين سائر الروايات‏!‏‏!‏ وكذلك منهم من قال‏:‏ بل كان مرتين؛ مرة قبل الوحي ومرة بعده‏!‏‏!‏ ومنهم من قال‏:‏ بل ثلاث مرات؛ مرة قبل الوحي ومرتين بعده‏!‏‏!‏ وكلما اشتبه عليهم لفظة؛ زادوا مرة للتوفيق‏.‏ 
قال ابن القيم‏:‏ ‏"‏يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا؛ كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول‏:‏ أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي‏.‏‏.‏‏.‏ ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين، ثم يحطها إلى خمس‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏‏!‏‏!‏ 
وقال ابن كثير‏:‏ ‏"‏وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده‏.‏‏.‏‏.‏ ومن جعل كل رواية إسراء على حدة كما تقدم عن بعضهم؛ فقد أبعد جدا، وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات؛ فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك‏؟‏‏!‏ هذا في غاية البعد والاستحالة‏.‏ والله أعلم‏"‏انتهى.‏

السبت، 11 سبتمبر 2010

# سوء الظن بالله ينافى التوحيد #

حسن الظن بالله من واجبات التوحيد،
 وسوء الظن به ينافي التوحيد‏.‏

وصف الله المنافقين أنهم يظنون به غير الحق


قال الله تعالى‏:‏{‏يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ‏}ال عمران 154




و قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا‏}‏ الفتح 6


قال الإمام ابن القيم في تفسير الآية الأولى‏:


{‏يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ‏}‏ ال عمران 154


‏"‏فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل، وأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته؛ ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله،


وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن لا يليق به سبحانه ولا بحكمته وحمده ووعده الصادق.






وقال ابن القيم رحمه الله‏:‏ ‏"‏فمن ظن به أنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته؛ فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به؛ فمن ظن به ذلك؛ فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله‏.‏


وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه؛ فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد، وظن أن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة له المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له؛ فما قدرها سدى ولا شاءها عبثا ولا خلقها باطلا، ‏{‏ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ‏}‏


وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حكمته وحمده‏.‏


فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏


ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏


ومن ظن أنه يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي، لا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏


ومن ظن أنه لا يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار؛ يجازي المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسوله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏


ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه على امتثال أمره ويبطله بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة له في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به،


أو ظن به


أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم ليضلوا بها عباده،


وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في الجحيم في أسفل سافلين، وينعم من استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين،


وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا؛ فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏


ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل،


وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة، ولم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله ويتطلبوا له الوجوه والاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء‏.‏


فإنه إن قال‏:‏ إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز‏.‏ وإن قال‏:‏ إنه قادر ولم يبين وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء‏.‏


ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المشركين والحيارى هو الهدى والحق؛ فهذا من أسوأ الظن‏.


فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏.‏


انتهى كلام الإمام ابن القيم ‏"‏زاد المعاد‏"‏‏.‏ ‏