يرد على هذه الشبهة ا.د/ عبد العظيم المطعنى
الشبهةان القرآن به جُمل متكررة و قصص متكررة وانه لو تم حذف المكرر لا يبقى منه ما يملاء كراسة
الرد على الشبهة:
يقع التكرار فى القرآن الكريم على وجوه:
1- أداة تتكرر لتؤدى وظيفة فى الجملة بعد أن تستوفى ركنيها الأساسيين.
2- كلمة تتكرر مع أختها لداع ، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها.
3- فاصلة تتكرر فى سورة واحدة على نمط واحد.
4- قصة تتكرر فى مواضع متعددة مع اختلاف فى طرق الصياغة وعرض الفكرة.
5- بعض الأوامر والنواهى والإرشادات والنصح مما يقرر حكماً شرعيًّا أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب فى خير أو ينفر من شر.
التكرار هو فن قولى معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفاً للنقد والطعن.
أما التكرار فى القرآن الكريم محكماً ليس به أى عيوب ولم يسبب اى اضطراب أو خلل فى المعنى وكل تكرار له هدف
للتكرار وظيفتين اساسيتين
1- من الناحية الدينية
تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون فى السلوك أمثل وللاعتقاد أبين. لان القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع
2- من الناحية الأدبية.
إن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعانى وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان.
مثال على تكرار الأداة:
قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحِيِم) (1).
تكرار " إنَّ " فى الآية
هدف )إن) فى الآية للتوكيد وهذا الظاهر يقتضى الاكتفاء ب " إنَّ " الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. " لغفور رحيم " لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت " إنَّ " مرة أخرى.ولهذه المخالفة سبب هو طول الفصل بين " إنَّ " الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض من " إنَّ " وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين (اسمها و خبرها) على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.
امثلة على تكرار الكلمة :
1- قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الآخرة هم الأخسرون) (5).
فقد تكررت " هم " مرتين
الأولى مبتدأ خبرها: " الأخسرون ". والثانية ضمير فصل جىء به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهى: هُمْ الأولى بالأخسرية.
2- قوله تعالى (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فِى أعناقهم وأولئكأصحاب النار هم فيها خالدون) (6).
تكررت هنا " أولئك " ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسناً وروعة. فالأولى والثانية: تسجلان حكماً عامًّا على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال فى أعناقهم.
والثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذى لا يعقبه خروج منها.
ولو حذفت(أَولئك )من الموضعين الثانى والثالث لضعف المعنى واضطرب. فتصبح الواو الداخلة على(الأغلال فى أعناقهم ) واو حال. وتصبح الواو الداخلة على (أَصحاب النار هم فيها خالدون )عاطفة عطفاً يضعف معه المعنى.
لذلك التكرار فى الآية يفيد صحة المعنى وتقويته. وتأكيد النسبة فى المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم بسوء المصير.
تكرار الفاصلة:
يقصد بتكرار الفاصلة تكرار جملة فى السورة الواحدة عدد من المرات
هذه الظاهرة الإسلوبية تميزت بها سورة الرحمن و سورة القمر و سورة المرسلآت
1-( فبِأى آلاء ربكما تكذبان ) (8) فى " الرحمن "
2-(فكيف كان عذابى ونذر) (9) فى " القمر ".
3-(ويل يومئذ للمكذبين) (10) فى " المرسلات ".
التكرار فى سورة " الرحمن ":
قوله تعالى (فبأى آلاء ربكما تكذبان) تكررت الآية إحدى وثلاثين مرة وهذا له اسبابه
ملاحظات
1- هذا التكرار فى سورة " الرحمن " هو أكثر صور التكرار الوارد فى القرآن على الإطلاق.
2-إنه فى هذا الموضع قد مُهِّدَ له تمهيداً رائعاً.حيث جاء بعد اثنتى عشرة آية متحدة الفواصل. وقد تكررت فى هذا التمهيد كلمة " الميزان " ثلاث مرات متتابعة دون أى ملل:
(والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا فى الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (20).
وهذا التمهيد لحناً صوتيًّا عذباً (وكل كلمة من الكلمات الثلاثة لها هدف) كان بمثابة مقدمة طبيعية لتلائم صور التكرار ولتألفها النفس وتأنس بها ؛ لأن القرآن قد راعى فى فواصل المقدمة التمهيدية ما انبنت عليه فواصل الآية المكررة.
3- إن هذه السورة تظهر النعم على الثَّقَلين: الإنس والجن ، وبعد كل نعمة أو نِعَم يعددها الله تأتى هذه الآية (فبأى آلاء ربكما تكذبان)
سبب التكرار الذى فى سورة الرحمن أنه تذكير وتقرير لنعم الله. وأنها ظاهرة و واضحة فلا يمكن إنكارها أو التكذيب بها.
فائدة التكرار فى سورة الرحمن
1- يفيد تعداد النِّعَم والفصل بين كل نعمة وأخرى لأن الله سبحانه عدَّد فى السورة نعماءه وذكَّرعباده بآلائه. ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها.
2- جعلها فاصلة بين كل نعمة لتعرف قيمة النعمة و يكون التبكيت والتوبيخ لمن انكر هذه النعم؛
وسنجد من يقول
الفاصلة قد تكررت بعدما هو ليس بنعمة من وعيد وتهديد. فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات؟
(يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (22).
(يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والأقدام * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (23).
(هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (24).
هذه الآيات بلاء وانتقام وليس بنعم.
والجواب:
ولكن المتأمل يدرك أن فى الإنذار والوعيد وبيان مصير الضالين عصمة للإنسان و تحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.
و النعمة نوعان: إيصال الخير. ومنع الشر. والسورة اشتملت على كلا النوعين فلذلك كررت الفاصلة.
تكرار الفاصلة فى " القمر "
العبارة المكررة (فكيف كان عذابى ونذر)
قد صاحبت فى كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن
أول موضع بعد قصة قوم نوح. وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح عليه السلام ثم انتصار الله لنوح عليهم. حيث سلَّط عليهم الطوفان. فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله.
لتبقى هذه القصة موضع عظة ، ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: (فكيف كان عذابى ونذر) و الاستفهام " كيف " للتعجيب مما كان ، ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه. وهى قوله تعالى: (ولقد تركناها آية فهل من مدكِر) (11).
الموضع الثانى فى قصة عاد وعتوها عن أمر الله وعصيانها الشديد و فى " عاد " هذه نجد العبارة فى القصة بدءاً ونهاية. قال تعالى: (كذبت عادٌ فكيف كان عذابى ونذر *ِإنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً فى يومِ نحْسٍ مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر ) (12).
وتكرار العبارة فى البداية والنهاية للإهتمام و إظهار شدة العذاب
ملاحظة
أحداث القصة ذكرها القرآن فى عبارات قصيرة ولكنها محكمة وافية.. ولم يسلك هذا المسلك فى قصة نوح كانت اكثر تفصيلا والسبب أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق فى الماء. وهى وسيلة كثيراً ما تكون سبب هلاك. فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه..
أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر و فى شدة و عذاب اشد من الإغراق
ولعل مما يقوى هذا التفسير. أن قصة عاد وردت فى موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة ، ويختلف معه قليلاً من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل.
الموضع الأخير فى قصة ثمود
جاءت فيها للإستعداد لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع. ولفت نظره إليها (فكيف كان عذابى ونذر* إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر) (18).
ومن هنا ندرك سبب التكرار.
من الناحية الدينية تحث المؤمنين على التذكر والاعتبار عقب كل قصة من هذه القصص
ومن الناحية الأدبية (ادب اللغة ) (فكيف كان عذابى ونذر)تأتى لافتة الأنظار و تنبه إلى نهاية وختام أحداث القصة.
مهد القرآن لهذا التكرار فلم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهى كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف "الراء " مع التزام تحريك ما قبلها. وذلك هو نهج فواصل السورة كلها.
ومن فوائد هذا التكراراثارة الإحساس القوى بجو الإنذار
وهذه السورة مكية و اهل مكة كانوا فى اشد العناد فكانت هذه القصص و تكرار العذاب ليعتبروا
وقد كان الرسول حريصاً على هدايتهم فى وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضاً عنه. لهذا اقتضى الموقف العام سوق عِبَر الماضين ليكون فى ذلك تسلية للرسول ومن اتبعه وزجر لمن عارضه وصد عنه.
وما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التربية خاصة تربية الأمم تستدعى تأكيد الحقائق بكل وسيلة ومنها التكرار الذى لمسناه فى سورتنا هذه ؛ حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.
تكرار آخر فى سورة " القمر "
هو قوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (19). حيث ورد فى السورة أربع مرات ، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص و لفت النظر لتدبر القصص و اخذ العبرة منها
التكرار فى سورة " المرسلات ":
تكررت هذه الآية ( ويل يومئذ للمكذبين ) عشر مرات
قبل ان نذكر اسباب التكرار نشرح كيف مهدت الآيات الأولى للتكرار
اشتمل التمهيد على مجموعتين من الآيات
المجموعة الأولى (والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفاً * والناشرات نشراً * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكراً * عذراً أو نذراً )(25) .
ثم ختمت هذه المجموعة بالآية ( إنما توعدون لواقع )(26)
وهذه الآية ما قبلها مُقسم به . وهى جواب القسم . والمقسم به متعدد كأجزاء الشرط إذا بُدئت بها السور وهذه خصائص تعبيرية .
ثم تبدأ مجموعة ثانية من الآيات وهى (فإذاالنجوم طمست * وإذاالسماء فرجت * وإذاالجبال نسفت *وإذاالرسل أقتت * لأىيوم أجلت * ليوم الفصل * وما أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين ) (27) .
وهذه المجموعة تتكون من :
أولاً : شرط يتكرر أربع مرات محذوف الجواب . وكله عن أهوال القيامة ومقدمات البعث .
ثانياً : استفهام يعتبر مدخلاً لحقيقة هامة تقودنا إلى الهدف وهو التوصل إلى مصير المكذبين يوم الدين .
ثالثاً : جواب هذا الاستفهام الذى اشتمل على كلمة : " يوم الفصل " وكانت هذه الكلمة الشعاع الذى قادنا إلى الساحة الكبرى : ساحة القضاء العادل والقصاص الحكيم (لأى يوم أجلت * ليوم الفصل * وما أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين)
فانظر إلى هذا التمهيد الحكيم الذى مهد القرآن به لهذه العبارة . حتى لكأنها هى المقصودة .
ثم تكررت هذه الآية ( ويل يومئذ للمكذبين ) عشر مرات بعد هذه المرة وهى فى كل مواضعها تتلو مشهداً من مشاهد القيامة .
وصورة من صور الحشر . أو مشاهد القدرة الإلهية .
سبب عام :
أما السبب العام الذى اقتضى هذا التكرار فإن الآية أعقبت ما من شأنه أن يكون أكبر داع من دواعى الإيمان والتصديق . بحيث يكون الخارج عن هذا السلوك والمكذب به صائراً ـ لا محالة ـ إلى الويل ، والعذاب الأليم .
فويل للمكذبين بيوم الفصل . وويل للمكذبين بهلاك المجرمين .. وويل للمكذبين بقدرة الله وتقديره أرزاق الخلق . وعلى هذا المنهج يمضى التكرار فى السورة كلها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق