شبهة الكلام الغريب يرد عليها ا.د/ عبد العظيم المطعنى
فى القرآن كثير من الكلمات الغريبة ، وهاكم بعضاً منها: فاكهةً وأبًّا ، غسلين ، حنانا ، أوَّاه ، الرقيم ، كلالة ، مبلسون ، أخبتوا ، حنين ، حصحص ، يتفيؤا ، سربا ، المسجور ، قمطـرير ، عسعس ، سجيل ، الناقور ، فاقرة ، استبرق ، مدهامتان..
ونحـن نسـأل: أليسـت هــذه الألفـاظ الغريبة مخـالفة للسـليم من الإنشاء.. ؟!
الرد على الشبهة:
لا وجود فى القرآن لكلمة واحدة من الغريب حقّا ، كما يعرفه اللغويون والنقاد.
فالغريب ـ الذى يعد عيباً فى الكلام ، وإذا وجد فيه سلب عنه وصف الفصاحـة والبلاغـة ـ هو ما ليس له معنى يفـهم منـه على جهة الاحتمال أو القطع ، وما ليس له وجود فى المعاجم اللغوية ولا أصل فى جذورها.
والغريب بهذا المعنى ليس له وجود فى القرآن الكريم ، ولا يحتج علينا بوجود الألفاظ التى استعـملت فى القرآن من غير اللغة العربية مثل: إستبرق ، وسندس ، واليم ، لأن هذه الألفاظ كانت مأنوسة الاستعمال عند العرب حتى قبل نزول القرآن ، وشائعة شيوعاً ظاهراً فى محادثاتهم اليومية وكتاباتهم الدورية.وهى مفردات وليست تراكيب. بل أسماء مفردة لأشخاص أو أماكن أو معادن أو آلات.
ثم إنها وإن لم تكن عربية الأصل ، فهى ـ بالإجماع ـ عربية الاسـتعمال. ومعـانيها كانت ـ وما تزال ـ معـروفة فى القـرآن ، وفى الاستعمال العام.
ومنها الكلمات التى ذكروها مما هو ليس عربيّا ،
مثل:غسلين ، ومعناها: الصديد ، أى صديد أهل النار ، وما يسيل من أجسادهم من أثر الحـريق ، ولما كان يسيل من كل أجسامهم شبه بالماء الذى يُغسَل به الأدران. أما بناؤه على: فعلين فظاهر أنه للمبالغة.
ومثل: " قمطريرا " ومعناها: طويلاً ، أو شديداً.
ومثل: " إستبرق " ومعناهـا: الديباج.وهكذا كل ما فى القرآن من لغة غير عربية الأصل فهى عربية الاستعمالبألفاظها ومعانيها. وكانت العرب تقولها بألسنتها قبل نزول القرآن.
واستعـارة اللغات من بعضـها من سنن الاجـتماع البشرى ودليل على حيوية اللغة. وهذه الظاهرة منتشرة جدّا فى اللغات حتى فى العصر الحديث. ويسميها اللغويون بـ " التقارض " بين اللغات ، سواء كانت لغات سامية أو غيرها كالإنجليزية والألمانية والفرنسية وفى اللغة الأسبانية كلمات مستعملة الآن من اللغة العربية.
أما مااقترضته اللغة العربية من غيرها من اللغات القديمة أو ما له وجود حتى الآن فقد اهتم به العلماء المسلمون ونصوا عليه كلمة كلمة ، وأسـموه بـ " المعـرَّب " مثل كتاب العلامة الجواليقى ، وقد يسـمونه بـ " الدخيل " هذا بالنسبة لما ذكروه من الكلمات غير العربية الأصل ، التى وردت فى القرآن الكريم.
أما بقية الكلمات فهى عربية الأصل والاستعمال ولكن مثيرى هذه الشبهات قوم يجهلون
فكلمة " حنان " لها جذر لغوى عربى ، يقال: حنَّ ، بمعنى. رق قلبه ومال إلى العطف على الآخرين. والمضارع: يحن والمصدر: الحنان والحنين ، وقد يستعملان استعمال الأسماء.
وأما " أوَّاه " فهو اسـم فاعـل من " التـأوُّه " على صيغـة المبالغة " فعَّال ".
وكذلك " حصحص " ومعناه: ظهر وتبيَّن.
أما الناقـور فهو اسـم من " النقر " كالفاروق من الفراق.وحتى لو جارينا هؤلاء الحاقدين ، وسلمنا لهم جدلاً بأن هذه الكلمات غريبة ؛ لأنها غير عربية ، فإنها كلمات من " المُعرَّب " الذى عرَّبه العرب واستعملوه بكثرة فصار عربيّابالاستعمال. ومعانيه معروفة عند العرب قبل نزول القرآن. وما أكثر الكلمات التى دخلت اللغة العربية ، وهجر أصلها وصارت عربية.فهى إذن ـ ليست غريبة ، لأن الغريب ما ليس له معنى أصلاً ، ولا وجود له فى المعاجم اللغوية ، التى دونت فيها ألفاظ اللغة.
قد يقـال: كيف تنكـرون " الغريب " فى القرآن ، وهو موجود باعتراف العلماء ، مثل الإمام محمد بن مسلم بن قتيبة العالم السنى ، فقد وضع كتاباً فى " غريب القرآن " وأورده على وفق ما جاء فى سور القرآن سورة سورة ؟
وكذلك صنع السجستانى وتفسيره لغريب القرآن مشهور.
ومثله الراغب الأصفهانى فى كتابه " المفردات " فى شرح غريب القرآن.
ثم الإمام جلال الدين السيوطى ، العالم الموسوعى ، فله كتاب يحمل اسم " مبهمات القرآن ".
ألا يُعد ذلك اعترافاً صـريحاً من هؤلاء الأئمة الأفذاذ بورود الغريب فى القرآن الكريم ؟ ومن العلماء المحدثين الشيخ حسنين مخلوف ، مفتى الديار المصـرية فى النصف الأول من القـرن العشـرين ، وكتـابه " كلمات القرآن لا يجهله أحد ".
كما أن جميع مفسرى القرآن قاموا بشرح ما رأوه غريباً فى القرآن. فكيف يسوغ القول ـ الآن ـ بإنكار وجود الغريب فى القرآن أمام هذه الحقائق التى لا تغيب عن أحد ؟
من حق غير الملم بفقه هذه القضية ـ قضية الغريب ـ أن يسألوا هذا السؤال ، ومن واجبنا أن نجيب عليه إجابة شافية وافية بعون الله وتوفيقه.والجـواب:
هذا السؤال جدير بأن نستقصى جوانب الإجابة عليه لأهميته. فنقول
أولاً: إن الغـريب الذى نسـب فى كـتب العـلماء إلى القرآن ، إنما هو غريب نسبى وليس غريباً مطلقاً.
فالقرآن فى عصر الرسالة ، وعصر الخلفاء الراشدين كان مفهوماً لجميع أصحاب الرسول. ولم يرد فى رواية صحيحة أن أصحاب رسول الله غاب عنهم فهم ألفاظ القرآن من حيث الدلالة اللغوية البحتة ، وكل ما وردت به الرواية أن بعضهم سأل عن واحد من بضعة ألفاظ لا غير. وهى روايات مفتقرة إلى توثيق ، وقرائن الأحوال ترجح عدم وقوعها ، والألفاظ المسئول عنها هى:غسلين ، قسورة ، أبّا ، فاطر ، أوَّاه ، حنان. وقد نسبوا الجهل بمعانى هذه الكلمات إما إلى عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ ، وإما إلى ابن عباس رضى الله عنهما ، وكلا الرجلين أكبر من هذه الاتهامات.
ومما يضعف إسناد الجهل إلى عمر رضى الله عنه ، بمعنى كلمة " أبًّا " أن عمر كما تقـول الرواية سأل عن معـناها فى خـلافته ، مع أن سـورة " عبس " التى وردت فيها هذه الكلمة من أوائل ما نزل بمكة قبل الهجرة ، فهل يُعقَلُ أن يظل عمر جاهلا بمعنى " أبًّا " طوال هذه المدة (قرابة ربع قرن) ؟
أما ابن عباس رضى الله عنه فإن صحت الرواية عنه أنه سأل عن معانى " غسلين " و " فاطر " فإنه يحتمل أنه سأل عنها فى حداثة سنه. ومعروف أن ابن عباس كان معروفاً بـ " ترجمان القرآن " ومعنى هذا أنه كان متمكناً من الفقه بمعانى القرآن ، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له قائلاً: [اللهم فقهه فى الدين ، وعلمه التأويل].
هذا فيما يتعلق بشأن الروايات الواردة فى هذا الشأن.
أما فيما يتعـلق بالمؤلفات قديماً وحديثاً حول ما سمى بـ " غريب القرآن " فنقول:
إن أول مؤلف وضع فى بيان غريب القرآن هو كتاب " غريب القرآن " لابن قتيبة (فى القرن الثالث الهجرى) وهذا يرجح أن ابن قتيبة ، لم يكتب هذا الكتاب للمسلمين العرب ، بل كان القصد منه هو أبناء الشعوب غير العربية التى دخلت فى الإسلام ، وكانوا يتحدثون لغات غير اللغة العربية.
أما مسلموالقرنين الأول والثانى الهجريين ، والنصف الأول من القرن الثالث ، فلم يكن فيها ـ فيما نعـلم ـ كتب حول بيان غريب القرآن ، سوى تفســير عبـد الله بن عباس ـ رضى الله عنه ـ ، وكتاب " مجازات القرآن " لأبى عبيدة معمر بن المثنى (م 210هـ) وهما أعنى تفـسير ابن عباس ، ومجازات أبى عبيدة ، ليسا من كتب الغريب ، بل هما: محاولتان مبكرتان لتفسير القرآن الكريم مفردات وتراكيب (1).
ولما تقادم الزمن على نزول القرآن ، وضعف المحصول اللغوى عند الأجيال اللاحقة ، قام بعض العلماء المتأخرين ـ مثل: الراغب الأصفهانى ، صاحب كتاب " مفردات القرآن " ، وجـلال الدين السيوطى ، صاحب كتاب " مبهمات القرآن " ـ بوضع كتب تقرب كتاب الله إلى الفهم ، وتقدم بيان بعض المفردات التى غابت معانيها واستعمالاتها عن الأجيال المتأخرة.
وهذا يسلمنا إلى حـقيقة لاحـت فى الأفق من قبل ، نعيد ذكرها هنا فى الآتى:
إن ما يطلق عليه " غريب القرآن " فى بعض المؤلفات التراثية ومنها كتب علوم القرآن ، وما تناوله مفسرو القرآن الكريم فى تفاسيرهم ، هو غريب نسبى لا مطلق ،
غريب نسبى باعتبار1- أنه مستعار من لغات أخرى غير اللغة العربية
2- أو انه من لهجات عربية غير لهجة قريش التى بها نزل القرآن
3-وغريب نسبى باعتبار البيئات التى دخلها الإسلام ، وأبناؤها دخلاء على اللغة العربية ، لأن لهم لغاتٍ يتحدثون بها قبل دخولهم فى الإسلام ، وظلت تلك اللغـات سائدة فيهم بعد دخولهم فى الإسلام
4- وغريب نسبى باعتبار الأزمان ، حتى فى البيئات العربية ، لأن الأجيال المتأخرة زمناً ضعفت صلتهـم باللغة العربية الفصحى مفردات وتراكيب. وكل هذه الطوائف كانت ، وما تزال ، فى أمس الحاجة إلى ما يعينهم على فهـم القرآن ، وتذوق معانيه ، والمدخل الرئيس لتذوق معانى القرآن هو فهم معانى مفرداته ، وبعض أساليبه.
والغريب النسبى بكل الاعتبارات المتقدمة غريب فصيح سائغ ، وليس غريباً عديم المعنى ، أو لا وجود له فى معاجم اللغة ومصادرها ، وهذا موضع إجماع بين علماء اللغة والبيان ، فى كل عصر وبلد
المراجع
(1) هذا وقد ظهرت مؤلفات أخرى فى هذا الموضوع مثل " معانى القرآن " للفراء ، وغيره من الأقدمين. وهى ليست من كتب الغريب، بل لها مجالات بحث أخرى كالقراءات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق