يدعى المشككون فى القرآن أن به أخطاء نحوية
و قد اشاروا الى عدة مواضع يرد عليهم فيها الأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعنى
عدم الإتيان بجواب لمَّا
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) (1).
وموطن الشاهد عندهم هو قوله جل شأنه (فلما ذهبوا.. ).
بحثوا عن جواب " لما " فلم يجدوه فقالوا:
" فأين جواب لما ؟ ولو حذفت الواو التى قبل أوحينا لاستقام المعنى ".
الرد على الشبهة:
هذه الشبهة تتعلق بفن الحذف ، وهو مبحث بلاغى أكثر منه نحويًّا.
إن كل محذوف عندهم غلط شنيع ، وكل حذف خلط فظيع ، والناس ـ كما قيل فى المثل ـ أعداء ما جهلوا.
إن حذف جواب " لما " هنا المراد منه تهويل وتفظيع ما حدث من إخوة يوسف ليوسف ، بعد أن أذن لهم أبوهم بالذهاب به إلى الصحراء ، وقد روى عنهم أنهم أخذوا يؤذونه بالقول والفعل وهم فى الطريق إلى المكان الذى قصدوه ، حتى كادوا يقتلونه ، والدليل على هذا قوله تعالى حكاية عن أحد إخوته:
(قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه فى غيابة الجب يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين ) (3).
فالنهى عن القتل لا يكون إلا عند العزم عليه ومباشرة أسبابه.
لذلك حذف جواب " لما " لتذهب النفس فى تصوره كل مذهب ، وحذف هذا الجواب فيه دلالة على طول ما حدث منهم ، وعلى غرابته وبشاعته ،
لذلك قدره الإمام الزمخشرى فقال:
" فعلوا به ما فعلوا من الأذى.. وأظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه ، وإذا استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب.. " (4).
وسار على هذا النهج الإمام البيضاوى (5).
وذهب غيرهما فى تقدير الجواب مذاهب أخرى ، والذى أتاح لهم هذا الاختلاف فى تقدير الجواب المحذوف هو الحذف نفسه (6).
أما اقتراح مثيرى الشبهة أن يحذف " الواو " فى " وأوحينا " ليستقيم المعنى فخطأ جسيم ؛ لأن " أوحينا " ليس هو جواب " لما " وإنما هو معطوف على الجواب المقدر لأن جواب " لمَّا " هو ما حدث ليوسف من إخوته بمجرد خروجهم به من عند أبيهم وبعدهم عنه قليلاً.
ودليل ذلك هو العطف بالفاء فى " فلما " لأنها تفيد الفورية والترتيب.
المراجع
(1) يوسف: 15.
(3) يوسف: 9.
(4) الكشاف (3/306-307).
(5) أنوار التنزيل (1/387).
(6) الدر المصون (6/453).
الإتيان بتركيب أدى الى اضطراب المعنى
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ) (1).
وموطن هذه الشبهة ـ عندهم ـ هو الضمائر الثلاثة فى:
" تعزروه " ـ " توقروه " ـ " تسبحوه ".
ذكروا هذا ، ثم قالوا:
" وهنا ترى اضطراباً فى المعنى ، بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره ، ولأن الضمير المنصوب فى قوله " وتعزروه وتوقروه " عائد على الرسول المذكور آخرًا.
وفى قوله " وتسبحوه " عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى ، وليس فى اللفظ ما يعينه تعيينًا يزيل اللبس. فإن كان القول: وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً عائدًا على الرسول يكون كفرًا لأن التسبيح لله فقط ، وإن كان القول " وتعزروه وتوقروه وتسبحوه " عائدًا على الله يكون كفرًا ؛ لأن الله لا يحتاج لمن يعزره ويقويه ".
الرد على الشبهة:
إذا هم يقولون إذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الرسول فقد كفرتم لأن الرسول بشر ، والبشر لا يجوز أن يسبحهم أحد ، لأن التسبيح لا يكون إلا لله.
وإذا جعلتم الضمائر الثلاثة عائدة على الله فقد كفرتم لأن الله غنى عن خلقه لا يحتاج منهم إلى تقوية ولا خلافه. فأين ـ إذن ـ أنتم تذهبون ؟
ونقول لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله:
نحن ـ المسلمين ـ لا نسبح أحداً غير الله ، ولا نعبد أحداً غير الله ، ولا نرفع حاجاتنا إلى أحدٍ غير الله ، ولا نطلب غفران ذنوبنا من أحدٍ غير الله ، ولا نرجو ولا نخاف أحداً غير الله.
ومرجع الضمائر الثلاثة ، التى اتخذوا منها منشأً لهذه الشبهة محددة ـ عقلاً وشرعاً ـ دون أى التواء.
فالضمير فى " وتسبحوه " عائد على الله قطعاً دون أدنى شك. لأن التسبيح عبادة ، ولم يؤذن الله لعباده أن يعبدوا أحداً غيره:
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (2).
(اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) (3).
(يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً ) (4).
أما مرجع الضمير فى " وتعزروه " فهو الرسول (دون خلط أو تشويش.
وأما الضمير فى " وتوقروه " فلا مانع لا عقلاً ، ولا شرعاً أن يكون عائداً على الله ، لأن توقير الله هو إكباره وتعظيمه ، وقد قال نوح لقومه موبخاً لهم (ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً ) (5).
ويجوز أن يكون عائداً على الرسول ، وتوقيره هو احترامه وإنزاله منزلته من التكريم والطاعة.
هذا هو بيان ما توهموه من لبس ، دون الرجوع إلى ما قاله النحاة أو المفسرون فالمسألة لا تحتاج إلى أكثر مما أوجزناه.
والخلاصة:
القرآن خطاب للعقلاء الأذكياء ، وليس خطاباً للمتغابين أو الأغبياء ، وفى الإنسان حاسة كثيراً ما يعوِّل عليها القرآن فى خطابه ، تستجلى خفايا معانيه ، وتدرك روائع إيماءاته ودقائق أسراره.
تلك الحاسة هى الخصائص العقلية ، والملكات الذهنية أو الذوقية المثقفة.
فمثلاً قوله تعالى (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) (6).
ترى الخطاب فيها واحداً " طلقتم ـ تعضلوهن " والنظرة العجلى تحسب أن المخاطب فى الموضعين صنف واحد من الرجال لكن العقل ـ بمعونة الشرع ـ سرعان ما يفرق بين الذين خوطبوا بـ " طلقتم " والذين خوطبوا بـ "تعضلوهن " فالمخاطب الأول هم الأزواج الذين يطلقون زوجاتهم ، والمخاطب الثانى هم أولياء أمور المطلقات ، يقول لهم القرآن إذا أراد الزوج المطلق طلاقاً رجعياً فى العدة أو بعد العدة أن يعيد زوجته إليه بالمراجعة أو العقد الجديد وكانت الزوجة راغبة فى ذلك ، فعلى أولياء أمرها ألا يقفوا فى طريقها.
فالذى فرَّق بين مرجعى الضميرين ـ هنا ـ العقل ، بمعونة الشرع ، وهذه الآية شبيهة بالآية التى أثيرت حولها الشبهات ، التى فرغنا من الرد عليها. ولو كان نظر مثيرى هذه الشبهات وقع على آية البقرة هذه ، لقالوا إن فيها تركيباً أدى إلى اضطراب المعنى ، ولا وجود لاضطراب إلا فى أوهامهم.
المراجع
(1) الفتح: 8-9.
(2) الإسراء: 23.
(3) الأعراف: 59 ، 65 ، 73.
(4) النور: 55.
(5) نوح: 13 ، 14.
(6) البقرة: 232.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق