يدعى المشككون فى القرآن أن به أخطاء نحوية
و قد اشاروا الى عدة مواضع يرد عليهم فيها الأستاذ الدكتور عبد العظيم المطعنى
منها
نصب المعطوف على المرفوع تكلموا على هذه الشبهة فى آيتين:الآيةالأولى: هو قوله تعالى: (لكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً ) (1). نظروا فى هذه الآية، فوقعت أعينهم على كلمة " المقيمين " فقارنوا بينها وبين ما قبلها: " الراسخون " ـ " المؤمنون " وبين ما بعدها " المؤتون " ـ "المؤمنون " فوجدوا ما قبلها وما بعدها مرفوعاً بـ " الواو " لأنه جمع مذكر سالم ؛ أما " المقيمين " فوجدوها منصوبة بـ " الياء " لأنها كذلك جمع مذكر سالم.حقه أن يرفع بـ " الواو " وينصب ويجر بـ " الياء ". فقالوا إن فى القرآن خطأ نحويّا من نوع جديد ، هو " عطف المنصوب على المرفوع ، أو نصب المعطوف على المرفوع ". ثم علقوا قائلين: " وكان يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع فيقول: " والمقيمون الصلاة " الرد على الشبهة: هذه الآية وردت فى سياق الحديث عن اليهود تنصف من استحق الإنصاف منهم، بعد أن ذم الله تعالى من عاند منهم ، وحاد عن الحق ، فى الآيات التى سبقت هذه الآية. ومجىء " المقيمين " بالياء خلافاً لنسق ما قبله وما بعده لفت أنظار النحاة والمفسرين والقراء ، فأكثروا القول فى تفسيره ـ مع إجماعهم على صحته. وقد اختلفت أراؤهم فيه وها نحن نقتصر على ذكر ما قل ودل منها فى الرد عليهم وأشهر الآراء أن " المقيمين " منصوب على الاختصاص المراد منه المدح فى هذا الموضع بدلالة المقام <اسلوب المدح يجعل المقيمين مفعول به لفعل اخص او امدح المقيمين> لأن المؤدين للصلاة بكامل ما يجب لها من طهارة ومبادرة وخشوع وتمكن ، جديرون بأن يُمدحوا من الله والناس. قول الإمام الزمخشرى: " و " المقيمين " نُصِبَ على المدح ، لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً فى خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر فى الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم فى النصب على الاختصاص من الافتنان " (2). وقد سبق الزمخشرى فى هذا التوجيه شيخ النحاة سيبويه وأبو البقاء العكبرى (4). وبعض المفسرين قالوا 1-إنه مجرور بالعطف على الكاف فى " أنزل إليك " 2-إنه مجرور بالعطف على " ما " فى " بما أنزل إليك ". 3- هو مجرور بالعطف على " الكاف " فى " قبلك " (6). 4-و منهم من جعل " المقيمين " مجروراً لا منصوباً ، وقال إن جره لأنه معطوف على الضمير المجرور محلاً فى " منهم " والمعنى على هذا: لكن الراسخون منهم والمقيمين الصلاة. والخلاصة: إن الرأى الاقوى فى تفسير نصب المقيمين بدل من الرفع هو الرأى الأول النصب على الاختصاص ، المنسوب إلى سيبويه وأبى البقاء العكبرى والزمخشرى وابن عطية ، لأنه أسلوب شائع فى الاستعمال اللغوى العربى ، وفيه من البلاغة أمر زائد على مجرد التوجيه النحوى ، الذى لا يتجاوز بيان عامل النصب أو الجر. أما ما عداه من آراء فلا تخلو من التكلف أو الضعف . الآية الثانية موضع الشبهة : قوله تعالى: (.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس ) (7). وشاهدهم على هذه الشبهة هو قوله سبحانه: " والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس " لأنه جاء منصوباً بـ " الياء " بعد قوله تعالى: "والموفونبعهدهم إذا عاهدوا ". فقالواكان يجب أن يرفع المعطوف ـ يعنى: الصابرين ـ على المرفوع ـ يعنى: الموفون ـ فيقول: والموفون والصابرون " الرد على الشبهة: أولاً نذكر الآية بتمامها لننظر فيها نظرة جُملية قبل مواجهة ما آثاره الخصوم حولها: (1) (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين). (2) (وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب). (3) (وأقام الصلاة وآتى الزكاة). (4) (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا). (5) (والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون). ترى أننا وزعنا كلمات هذه السورة على وحدات كل وحدة منها تضم معانى وقيماً متجانسة. الأولى: قيم إيمانية تنتظم تحت مفهوم العقيدة وهى: الإيمان بالله ، وباليوم الآخر ، وبالملائكة ، وبالوحى ، ثم بالأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم . الثانية: تنتظم عناصرها تحت مبدأ " الإنفاق المالى الحر (غير الزكاة) ويبين الله فيها الصفات التى تتحقق فى المنفق عليه ، وهم: - ذوو القربى من النسب. - اليتامى مهما تباعدت صلتهم عن المنفق. - المساكين ، الذين ليس لهم مصدر رزق كسبى ، إما لعدم وجود عمل ، أو لعجز عنه. - الغرباء الذين تعوزهم الحاجة فى السفر ، وليس معهم مال وإن كانوا أغنياء فى بلادهم. - المحتاجون ـ حقاً ـ الذين يستعطفون الناس لسد حاجتهم فى غير معصية. - عتق الرقاب من الرق ، إما تطوعاً ، أو كاتب السيد عبده على مقدار من المال ليصير حراً. الثالثة: يندرج عنصراها: الصلاة والزكاة تحت ركنين عمليين من أركان الإسلام ، والزكاة إنفاق واجب ، وليس حراًّ. الرابعة: هى حسن المعاملة مع الناس بوفاء الوعد والعهد. والوحدة الخامسة: تنتظم عناصرها تحت مبدأ الصبر الجميل فى كل عمل خير يؤديه المكلف ، وبخاصة فى الشدائد والمحن وملاقاة العدو. السادسة: فهى بيان فضل هؤلاء المذكورين فى الآية ، وبخاصة ما ذكر قبل الفاصلة مباشرة ، ومنزلتهم عند الله: " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ". وإذا تأملت هذه الوحدات وجدت أن أشدها وقعاً على النفس ، وأكثرها أعباء ، وأشقها كلفة ، هى الصبر فى المحن والشدائد والأخطار ، وبخاصة فى ملاقاة العدو ، والتعرض لزحفه وسلاحه ، وقد يفضى بالإنسان إما إلى حدوث عاهات مؤلمة فى الجسم ، وإما إلى الموت. فالمقاتل فى ساحات الكر والفر إنما يصارع الموت ، ومقدمات الموت. ولهذا جاء إعراب " الصابرين " مخالفاً لإعراب ما قبلها ، ليلفت الله أذهان العباد إلى أهمية الصبر فى هذه المجالات ، وهذا الإعراب المخالف لما قبله مع تركيز الانتباه ، وتوفير العناية بتأمُّل هذا الخلق العظيم ، يفيد أمراً آخر مبهجاً للنفوس ، هو مدح هؤلاء الصابرين شديدى العزيمة ، قويى الاحتمال. وهذا الإعراب المخالف لإعراب ما قبله ، هو الذى يسميه النحاة واللغويون بـ " القطع " كما تقدم فى نظيريه فى هذه الدراسة ، إما للمدح كما فى هذه الآية ، وآية النساء " والمقيمين الصلاة " التى بدأنا بها . وإما بقصد الذم ، كما فى قوله تعالى فى سورة المسد " وامرأته حمالةَ الحطب " أى امرأة أبى لهب التى كانت تحمل الشوك وتنثره فى طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤذيه. لأن كلمة " حمالة " جاءت منصوبة بعد رفع ما قبلها ، وهى " امرأتُه " فهذا قطع كذلك ، القصد منه الذم ، أى: أذم أو ألعن حمالة الحطب. وأياً كان القطع للمدح أو الذم ، فإنه من أرقى الأساليب البلاغية ، يحتوى على فضيلة الإيجاز وهى أن تكون المعانى أكثر وأوفر من الألفاظ التى تدل عليها ، أو المستعملة فيها ، لأن كل كلمة قُطِعَ إعرابها عما قبلها نابت هذه الكلمة مناب ثلاثة قيم بيانية ، رامزة إلى وجودها فى المقام ، وإن كانت محذوفة وهى: 1 ـ الكلام الذى عمل الإعراب المخالف فى الكلمة المقطوع إعرابها عن إعراب ما قبلها ، وهو فى " الصابرين " أمدح أو أخص الصابرين بالمدح. وفى آية " المسد " أذم أو ألعن. 2 ـ إفادة المدح أو الذم بغير الألفاظ التى تدل عليهما. 3 ـ فضيلة الإيجاز البيانى المفعم بالمعانى الآسرة والدلالات الساحرة. فسبحان من هذا كلامه ! والخلاصة: توجيهات النحاة والمفسرين وعلماء القراءات واللغويين ، لمجئ " الصابرين " منصوبة بسبب اسلوب المدح (اخص الصابرين ) المراجع (1) النساء: 162. (2) الكشاف (1/582). (3) الكتاب (1/248). (4) إملاء ما مَنْ به الرحمن (1/202). (5) انظرفى هذه الشواهد:الدر المصون (4/154). (6) انظر: الدر المصون (4/155). (7) البقرة: 177. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق